فصل: تفسير الآية رقم (13)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة‏}‏ أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة لا أنفسهم أو معاصريهم فقط وبنفي إتيانها نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها مع تحقيقها في نفس الأمر، وإنما عبروا عنه بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها، وقيل‏:‏ لأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما أجزاء الزمان لا يكون إلا بالإتيان والحضور، وقيل‏:‏ هو استبطاء لإتيانها الموعود بطريق الهزء والسخرية كقولهم‏:‏ ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 29‏]‏‏؟‏ والأول أولى، والجملة قيل‏:‏ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة وجعلها حالية غير ظاهر ‏{‏قُلْ بلى‏}‏ رد لكلامهم وإثبات لما نفوه على معنى ليس الأمر إلا إتيانها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ‏}‏ تأكيد له على أتم الوجوه وأكملها، وجاء القسم بالرب للإشارة إلى أن إتيانها من شؤون الربوبية، وأتى به مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ليدل على شدة القسم، وروى هارون كما قال ابن جني عن طليق قال‏:‏ سمعت أشياخنا يقرؤون ‏{‏ليأتينكم‏}‏ بالياء التحتية وخرجت على أن الفاعل ضمير البعث لأن مقصودهم من نفي إتيان الساعة أنهم لا يبعثون، وقيل‏:‏ الفاعل ضمير ‏{‏إِنَّ الساعة‏}‏ على تأويلها باليوم أو الوقت‏.‏ وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد إذ لا يكون مثل هذا إلا في الشعر نحو‏:‏

ولا أرض أبقل إبقالها *** وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عالم الغيب‏}‏ بدل من المقسم به على ما ذهب إليه الحوفي‏.‏ وأبو البقاء، وجوز أن يكون عطف بيان، وأجاز أبو البقاء أن يكون صفة له‏.‏

وتعقب بأنه صفة مشبهة وهي كما ذكره سيبويه في الكتاب لا تتعرف بالإضافة إلى معرفة والجمهور على أنها تتعرف بها ولذا ذهب جمع من الأجلة إلى أنه صفة ووصف سبحانه بإحاطة العلم إمداداً للتأكيد وتشديداً له إثر تشديد فإن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدة ثباته واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر وكلما كان المستشهد به أعلى كعباً وأبين فضلاً وأرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، وخص هذا الوصف بالذكر من بين الأوصاف مع أن كل وصف يقتضي العظمة يتأتى به ذلك لما أن له تعلقاً خاصاً بالمقسم عليه فإنه أشهر أفراد الغيب في الخفاء ففيه مع رعاية التأكيد حسن الأقسام على منوال وثناياك أنها إغريض كأنه قيل‏:‏ وربي العالم بوقت قيامها لتأتينكم، وفيه إدماج أن لا كلام في ثبوتها‏.‏

وقال صاحب الفرائد‏:‏ جىء بالوصف المذكور لأن إنكارهم البعث باعتبار أن الأجزاء المتفرقة المنتشرة يمتنع اجتماعها كما كانت يدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الارض مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 4‏]‏ الآية، فالوصف بهذه الأوصاف رد لزعمهم الاستحالة وهو أن من كان علمه بهذه المثابة كيف يمتنع منه ذلك انتهى، واستحسنه الطيبي، وقال في «البحر»‏:‏ أتبع القسم بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عالم الغيب‏}‏ وما بعده ليعلم أن إتيانها من الغيب الذي تفرد به عز وجل، وما ذكر أولاً أبعد مغزى، وفائدة الأمر بهذه المرتبة من اليمين أن لا يبقى للمعاندين عذر ما أصلاً فإنهم كانوا يعرفون أمانته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن وصمة الكذب فضلاً عن اليمين الفاجرة وإنما لم يصدقوه عليه الصلاة والسلام مكابرة، وغفل صاحب الفرائد عن هذه الفائدة فقال‏:‏ اقتضى المقام اليمين لأن من أنكر ما قيل له فالذي وجب بعد ذلك إذا أريد إعادة القول له أن يكون مقترناً باليمين وإلا كان خطأ بالنظر إلى علم المعاني وإن كان صحيحاً بالنظر إلى العربية والنحو‏.‏

وقد يغفل إلا ريب‏.‏

وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ ورويس‏.‏ وسلام‏.‏ والجحدري‏.‏ وقعنب ‏{‏عالم‏}‏ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم، وجوز الحوفي أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي عالم الغيب هو، وجوز هو وأبو البقاء أن يكون مبتدأ والجملة بعده خبره‏.‏

وقرأ ابن وثاب‏.‏ والأعمش‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏عِلْمَ‏}‏ بصيغة المبالغة والخفض، وقرىء ‏{‏عالم‏}‏ بالرفع يكون بلا مبالغة ‏{‏الغيوب‏}‏ بالجمع ‏{‏لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ‏}‏ أي لا يبعد ومنه روض عزيب بعيد من الناس‏.‏

وقرأ الكسائي بكسر الزاي ‏{‏مِثْقَالَ ذَرَّةٍ‏}‏ مقدار أصغر نملة ‏{‏فِي السموات وَلاَ فِى الارض‏}‏ أي كائنة فيهما ‏{‏وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك‏}‏ أي مثقال ذرة ‏{‏وَلا أَكْبَرَ‏}‏ أي منه، والكلام على حد ‏{‏لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً‏}‏ ورفعهما على الابتداء والخبر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ هو اللوح المحفوظ عند الأكثرين‏.‏

والجملة مؤكدة لنفي العزوب، وقرأ الأعمش‏.‏ وقتادة‏.‏ وأبو عمرو‏.‏ ونافع في رواية عنهما ‏{‏وَلاَ أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ‏}‏ بالنصب على أن ‏{‏لا‏}‏ لنفي الجنس عاملة عمل إن وما بعدها اسمها منصوب بها لأنه شبيه بالمضاف ولم ينون للوصف ووزن الفعل فليس ذلك نحو لا مانع لما أعطيت، والخبر هو الخبر على قراءة الجمهور، وقال أبو حيان‏:‏ ‏{‏لا‏}‏ لنفي الجنس وهي وما بنى معها مبتدأ على مذهب سيبويه والخبر ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب‏}‏ وما ذكرناه في توجيه القراءتين هو الذي ذهب إليه كثير من الأجلة، وقيل‏:‏ إن ذلك معطوف في قراءة الرفع على ‏{‏مِثْقَالَ‏}‏ وفي القراءة الأخرى على ‏{‏ذَرَّةٍ‏}‏ والفتحة فيه نيابة عن الكسرة للوصف والوزن وإليه ذهب أبو البقاء‏.‏ واستشكل بأنه يصير المعنى عليه إذا كان الاستثناء متصلاً كما هو الأصل لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين فإنه يعزب عنه فيه، وفساده ظاهر، والتزم السراج البلقيني على تقدير العطف المذكور أن يكون الاستثناء من محذوف والتقدير ولا شيء إلا في كتاب ثم قال‏:‏ ولا بدع في حذف ما قدر لدلالة الكلام عليه، ويحصل من مجموع ذلك إثبات العلم لله تعالى بكل معلوم وأن كل شيء مكتوب في الكتاب، وقيل العطف على ما ذكر والاستثناء منقطع والمعنى لا يعزب عنه تعالى شيء من ذلك لكن هو في كتاب، وقيل العطف على ذلك والكلام نهج قوله‏:‏

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

فالمعنى إن كان يعزب عنه شيء فهو الذي في كتاب مبين لكن الذي في الكتاب لا يعزب عنه فلا يعزب عنه شيء، وفيه من البعد ما فيه؛ وقيل‏:‏ إن المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يَعْزُبُ‏}‏ الخ أنه تعالى عالم به والمراد بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب‏}‏ نحو ذلك لأن الكتاب هو علم الله تعالى، والمعنى وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا يعلمه ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في علمه فيكون نظير قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظلمات الارض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كتاب‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 9 5‏]‏ وفيه أنه أبعد مما قبله، وقيل‏:‏ يعزب بمعنى يظهر ويذهب والعطف على ما سمعت، والمعنى لم يظهر شيء عن الله تعالى بعد خلقه له إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وتلخيصه كل مخلوق مكتوب، وفيه أن هذا المعنى ليعزب غير معروف وإنما المعروف ما تقدم، نعم قال الصغاني في العباب قال‏:‏ أبو سعيد الضرير يقال ليس لفلان امرأة تعزبه أي تذهب عزبته بالنكاح مثل قولك تمرضه أي تقوم عليه في مرضه ثم قال الصغاني‏:‏ والتركيب يدل على تباعد وتنح فتفسيره بالظهور بعيد ولئن سلمنا قربه فلأي شيء جمع بين الظهور والذهاب، وقيل إلا بمعنى الواو وهو مقدر في الكلام والكلام قد تم عند ‏{‏أَكْبَرَ‏}‏ كأنه قيل‏:‏ لا يعزب عنه ذلك وهو في كتاب، ومجىء إلا بمعنى الواو ذهب إليه الأخفش من البصريين والفراء من الكوفيين‏.‏

وخرج عليه قوم ‏{‏يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 2 3‏]‏ و‏{‏خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والارض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 107‏]‏ وقد حكى هذا القول مكى في نظير الآية ثم قال‏:‏ وهو قول حسن لولا أن جميع البصريين لا يعرفون إلا بمعنى الواو كأنه لم يقف على قول الأخفش وهو من رؤساء نحاة البصرة أو لم يعتبره فلذا قال جميع البصريين، وقد كثر الكلام في هذا الوجه وارتضاه السراج البلقيني وأنا لا أراه مرضياً وأن أوقد له ألف سراج، وقيل العطف على ما سمعت وضمير ‏{‏عَنْهُ‏}‏ للغيب فلا إشكال إذ المعنى حينئذ لا يبعد عن غيبه شيء إلا ما كان في اللوح لبروزه من الغيب إلى الشهادة واطلاع الملأ إلا على عليه‏.‏

وتعقب بأن المعنى لا يساعده لأن الأمر الغيبي إذا برز إلى الشهادة لم يعزب عنه بل بقي في الغيب على ما كان عليه مع بروزه، ومعناه أن كونه ففي اللوح المحفوظ كناية عن كونه من جملة معلوماته تعالى وهي إما مغيبة وإما ظاهرة وكل مغيب سيظهر وإلا كان معدوماً لا مغيباً وظهوره وقت ظهوره لا يرفع كونه مغيباً فلا يكون استثناء متصلاً، ألا ترى أنك لو قلت علم الساعة مغيب عن الناس إلا علمهم بها حين تقوم ويشاهدونها لم يكن هذا الاستثناء متصلاً كذا قيل فتأمل ولا تغفل‏.‏

وأنت تعلم أن هذا الوجه على فرض عدم ورود ما ذكر عليه ضعيف لأن الظاهر الذي يقتضيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الارض وَلاَ فِى السماء‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 1 6‏]‏ الآية رجوع الضمير إلى الله عز وجل‏.‏

والذي ذهب إليه أبو حيان أن الكتاب ليس هو اللوح وليس الكلام إلا كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏{‏وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ‏}‏ بكسر الراءين‏.‏

وخرج على أنه نوى مضاف إليه والتقدير ولا أصغره ولا أكبره، و‏{‏مّن ذلك‏}‏ ليس متعلقاً بأفعل بل هو تبيين لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم لفظاً فبين بقوله تعالى من ذلك أي أعني من ذلك، ولا يخفى أنه توجيه شذوذ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏لِيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ متعلق بقوله سبحانه ‏{‏لَتَأْتِيَنَّكُمْ‏}‏ على أنه علة له وبيان لمقتضى اتيانها فهو من تتمة المقسم عليه، فحاصل الكلام أن الحكمة تقتضي إثباتها والعلم البالغ المحيط بالغيب وجميع الجزئيات جليها وخفيها حاصل والقدرة المقتضية لا يجاد العالم وما فيه وجعله نعمة على ما مر فقد تم المقتضى وارتفع المانع فليس في الآية اكتفاء في الرد بمجرد اليمين، واستظهر في البحر تعلقه بلا يعزب‏.‏

وذهب إليه أبو البقاء‏.‏ وتعقب بأن علمه تعالى ليس لأجل الجزاء، وقيل متعلق بمتعلق ‏{‏فِى كتاب‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏ وهو كما ترى‏.‏

‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حير الصلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل والشرف أي أولئك الموصوفون بالإيمان وعمل الأعمال الصالحات ‏{‏لَهُمْ‏}‏ بسبب ذلك ‏{‏مَغْفِرَةٍ‏}‏ لما فرط منهم من بعض فرطات قلما يخلو عنها البشر ‏{‏وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ حسن لا تعب فيه ولا من عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا‏}‏ بالقدح فيها وصد الناس عن التصديق بها ‏{‏معاجزين‏}‏ أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا قاله قتادة، وقال عكرمة‏:‏ مراغمين، والقال ابن زيد‏:‏ مجاهدين في إبطالها‏.‏

وقرأ جمع ‏{‏معاجزين‏}‏ مخففاً، وابن كثير‏.‏ وأبو عمرو‏.‏ والجحدري‏.‏ وأبو السمال مثقلاً، قال ابن الزبير‏:‏ أي مثبطين عن الإيمان من اراده مدخلين عليه العجز في نشاطه، وقيل معجزين قدرة الله عز وجل في زعمهم‏.‏

‏{‏أولئك‏}‏ الموصوفون بما ذكر وفيه إشارة إلى بعد منزلتهم في الشر ‏{‏لَهُمْ‏}‏ بسبب ذلك ‏{‏عَذَابٌ مّن رّجْزٍ‏}‏ أي من سيء العذاب وأشده، ومن للبيان ‏{‏أَلِيمٌ‏}‏ بالرفع صفة ‏{‏عَذَابِ‏}‏ وقرأ كثر السبعة بالجر على أنه صفة مؤكدة لرجز بناء على ما سمعت من معناه، وجعله بعضهم صفة مؤسسة له بناء على أن الرجز كما روي عن قتادة مطلق العذاب وجوز جعله صفة ‏{‏عَذَابِ‏}‏ أيضاً والجر للمجاورة، والظاهر أن الموصول مبتدأ والخبر جملة ‏{‏أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ‏}‏ وجوز أن يكون في محل نصب عطفاً على الموصول قبله أي ويجزي الذي سعوا وجملة ‏{‏أُوْلئِكَ لَهُمْ‏}‏ الخ التي بعده مستأنفة والتي قبله معترضة‏.‏ وفي البحر يحتمل على تقدير العطف على الموصول أن تكون الجلمتان المصدرتان بأولئك هما نفس الثواب والعقاب؛ ويحتمل أن يكونا مستأنفتين والثواب والعقاب غير ما تضمنتا مما هو أعظم كرضا الله تعالى عن المؤمن دائماً وسخطه على الكافر دائماً، وفيه أنه كيف يتأتى حمل ذلك على رضا الله تعالى وضده وقد صرح أولا بالمغفرة والرزق الكريم وفي مقابله بالعذاب الأليم وجعل الأول جزاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم‏}‏ أي ويعلم أولوا العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمته عليه الصلاة والسلام أو من آمن من علماء أهل الكتاب كما روي عن قتادة كعبد الله بن سلام‏.‏ وكعب‏.‏ وأضرابهما رضي الله تعالى عنهم ‏{‏الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ‏}‏ أي القرآن ‏{‏هُوَ الحق‏}‏ بالنصب على أنه مفعول ثان ليرى والمفعول الأول هو الموصول الثاني و‏{‏هُوَ‏}‏ ضمير الفصل‏}‏‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على جعل الضمير مبتدأ وجعله خبراً والجملة في موضع المفعول الثاني ليرى وهي لغة تميم يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏VVV‏}‏‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على جعل الضمير مبتدأ وجعله خبراً والجملة في موضع المفعول الثاني ليرى وهي لغة تميم يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَرَى‏}‏ الخ ابتداء كلام غير معطوف على ما قبله مسوق للاستشهاد بأولى العلم على الجهلة الساعين في الآيات‏.‏ وفي الكشف هو عطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏ على معنى وقال الجهلة‏:‏ لا ساعة وعلم أولى العلم أنه الحق الذي نطق به المنزل إليك الحق وتعقب بأنه تكلف بعيد فإن دلالة النظم الكريم على الاهتمام بشأن القرآن لا غير، وقيل عليه‏:‏ أنت خبير بأن ما قبله من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 7‏]‏ الخ في شأن الساعة ومنكرى الحشر فكيف يكون ما ذكر بعيداً بسلامة الأمير فذكر حقية القرآن بطريق الاستطراد والمقصود بالذات حقية ما نطق به من أمر الساعة، وقال الطبري‏.‏ والثعلبي‏:‏ إن ‏{‏يرى‏}‏ منصوب بفتحة مقدرة عطفاً على يجزي أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساة معاينة أنه الحق حسبما علموه قبل برهانا ويحتجوا به على المكذبين وعليه فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين سَعَوْاْ‏}‏ معطوف على الموصول الأول أو مبتدأ والجملة معترضة فلا يضر الفصل كما توهم، وجوز أن يراد بأولي العلم من لم يؤمن من الأحبار أي ليعلموا يومئذ أنه هو الحق فيزدادوا حسرة وغماً‏.‏ وتعقب بأن وصفهم بأولي العلم يأباه لأنه صفة مادحة ولعل المجوز لا يسلم هذا، نعكم كون ذلك بعيداً لا ينكر لا سيما وظاهر المقابلة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 3‏]‏ يقتضي الحمل على المؤمنين ‏{‏وَيَهْدِى إلى صِرَاطِ العزيز‏}‏ الذي يقهر ولا يقهر ‏{‏الحميد‏}‏ المحمود في جميع شؤونه عز وجل، والمراد بصراطه تعالى التوحيد والتقوى، فاعل يهدي إما ضمير ‏{‏الذى أَنزَلَ‏}‏ أو ضمير الله تعالى ففي ‏{‏العزيز الحميد‏}‏ التفات، والجملة على الأول إما مستأنفة أو في مضوع الحال من ‏{‏الذى‏}‏ على إضمار مبتدأ أي وهو يهدي كما في قوله‏:‏

نجوت وأرهنهم مالكاً *** أو معطوفة على ‏{‏الحق‏}‏ بتقدير وإنه يهدي وجوز أن يكون يهدي معطوفاً على ‏{‏الحق‏}‏ عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏صافات وَيَقْبِضْنَ‏}‏ أي قابضات وبعكسه قوله‏:‏

وألفيته يوماً يبير عدوه *** وبحر عطاء يستحق المعابرا

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ عم كفار قريش قالوا مخاطباً لعضهم لبعض على جهة التعجب والاستهزاء ‏{‏هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ‏}‏ يعنون به النبي صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك من باب التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رجل وهو عليه الصلاة والسلام عندهم أظهر من الشمس

وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم

‏{‏يُنَبّئُكُمْ‏}‏ يحدثكم بأمر مستغرب عجيب‏.‏ وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «ينبيكم» بإبدال الهمزة ياء محضة وحكى عنه ‏{‏يُنَبّئُكُمْ‏}‏ بالهمز من أنبأ ‏{‏إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ إذا شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه أي تبعثون أو تحشرون وهو العامل في إذا على قول الجمهور والجملة الشرطية بتمامها معمولة لينبئكم لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ثم أكد ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ وجوز أن يكون «إنكم لفي خلق جديد» معمولا لينبئكم وهو معلق ولولا اللام في خبر إن لكانت مفتوحة والجملة سدت مسد المفعولين والشرطية على هذا اعترض، وقد منع قوم التعليق في باب أعلم والصحيح جوازه وعليه قوله‏:‏

حذار فقد نبئت أنك للذي *** ستجزي بما تسعى فتسعد أو تشقى

وجوز أن تكون إذا لمحض الظرفية فعاملها الذي دل عليه ما بعد يقدر مقدماً أي تبعثون أو تحشرون إذا مزقتم، ولا يجوز أن يكون العامل ‏{‏يدلكم‏}‏ أو ‏{‏رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ‏}‏ لعدم المقارنة ولا ‏{‏مُزّقْتُمْ‏}‏ لأن إذاً مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف‏.‏ ولا خلف ولا جديد لأن إن لها الصدر فلا يحمل ما بعدها فيما قبلها‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ إذا في موضع النصب بمزقتم وهي بمنزلة من الشرطية يعمل فيها الذي يليها، وقال السجاوندي‏:‏ العامل محذوف وما بعدها إنما يعمل فيها إذا كان مجزوماً بها وهو مخصوص بالضرورة نحو

وإذا تصبك خصاصة فتجمل *** فلا يخرج عليه القرآن فإذا لم تجزم كانت مضافة إلى ما بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ الصحيح أن العامل فيها فعل الشرط كسائر أدوات الشرط، وتمام الكلام على ذلك في كتب النحو، وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول كمسرح في قوله‏:‏

ألم تعلم مسرحي القوافي *** فلا عيابهن ولا اجتلاباً

وتمزيق الشيء تخريقه وجعله قطعاً قطعاً ومنه قوله‏:‏

إذا كنت مأكولاً فكن خير آكل *** وإلا فأدركني ولما أمزق

والمراد إذاً متم وفرقت أجسادكم كل تفريق بحيث صرتم رفاتاً وتراباً، ونصب ‏{‏كُلٌّ‏}‏ على المصدرية‏.‏

وجوز أن يكون اسم مكان فنصب كل على الظرفية لأن لها حكم ما تضاف إليه أي إذا فرقت أجسادكم في كل مكان من القبور وبطون الطير والسباع وما ذهبت به السيول كل مذهب وما نسفته الرياح فطرحته كل مطرح، و‏{‏جَدِيدٍ‏}‏ فعيل بمعنى فاعل عند البصريين من جد الشيء إذا صار جديداً وبمعنى مفعول عند الكوفيين من جده إذا قطعه ثم شاع في كل جديد وإن لم يكن مقطوعاً كالبناء، والسبب في الخلاف أنهم رأوا العرب لا يؤنثونه ويقولون ملحفة جديد لا جديدة فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى مفعول والبصريون إلى خلافه وقالوا ترك التأنيث لتأويله بشيء جديد أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول كذا قيل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏افترى عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ فيما ينسب إليه من أمر البعث ‏{‏أَم بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ أي جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه، واستدل به أبو عمرو الجاحظ على ما ذهب إليه من أن صدق الخبر مطابقته للواقع مع الاعتقاد وكذبه عدمها معه وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، وذلك أن الكفار وهم عقلاء من أهل اللسان عارفون باللغة حصروا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالبعث في الافتراء والأخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو بالمعنى الأعم ولا شك أن المراد بالثاني غير الكذب لأنه قسميه وغير الصدق لأنهم اعتقدوا عدمه، وأيضاً لا دلالة لقولهم ‏{‏أَم بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ على معنى أم صدق بوجه من الوجوه فيجب أن يكون بعض الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب ليكون ذلك منه بزعمهم وإن كان صادقاً في نفس الأمر، وتوضيحه أن ظاهر كلامهم هذا يدل على طلب تعيين أحد حالي النبي صلى الله عليه وسلم المستويين في اعتقاد المتكلم حين الأخبار بالبعث وهو يستلزم تعيين أحد حالي الخبر والاستفهام ههنا للتقرير فيفيد ثبوت أحد الحالين للخبر ولا شك أن ثبوت أحدهما لا يثبت الواسطة ما لم يعتبر تنافيهما وكذا تنافيهما في الجمع لا يثبتها بل لا بد من تنافيهما في الارتفاع يعني أن خبره عليه الصلاة والسلام بالبعث لا يخلو عن أحد الأمرين المتنافيين فيكون المراد بالثاني ما هو مناف وقسيم للأول ومعلوم أنه غير الصدق فليس الصدق عبارة عن مطابقة الواقع فقط والكذب عد عدم المطابقة له كما يقول الجمهور أو عن مطابقة الاعتقاد له وعدم مطابقته له كما يقول النظام فيكونان عبارتين عن مطابقتهما وعدم مطابقتهما وتثبت الواسطة‏.‏ وأجيب بأن معنى ‏{‏أَم بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ أم لم يفتر فعبر عن عدم الافتراء بالجنة لأن المجنون يلزمه أن لا افتراء له كما دل عليه نقل الأئمة واستعمال العرب الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون فالثاني ليس قسيماً للكذب بل لما هو أخص منه أعني الافتراء فيكون ذلك حصراً للخبر الكاذب بزعمهم في نوعيه الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد ولو سلم أن الافتراء بمعنى الكذب مطلقاً فالمعنى الافتراء أي الكذب أم لم يقصد بل كذب بلا قصد لما به من الجنة‏.‏

وقيل‏:‏ المعنى افترى أم لم يفتر بل به جنون وكلام المجنون ليس يخبر لأنه لا قصد له يعتد به ولا شعور فيكون مرادهم حصره في جنونه خبراً كاذباً أو ليس بخبر فلا يثبت خبر لا يكون صادقاً ولا كاذباً، ونوقش فيه كما لا يخفى على من راجع كتب المعاني‏.‏ بقي ههنا بحث وهو أن الطيبي أشار إلى أن مبنى الاستدلال كون ‏{‏أَمْ‏}‏ متصلة واعترضه بأن الظاهر كونها منقطعة أما لفظاً فلاختلاف مدخول الهمزة وأم وأما معنى فلأن الكفرة المعاندين لما أخرجوا قولهم

‏{‏هل ندلكم على رجل ينبئكم‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 7‏]‏ مخرج الظن والسخرية متجاهلين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبكلامه من إثبات الحشر والنشر وعقبوه بقوله ‏{‏افترى عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ أضربوا عنه إلى ما هو أبلغ منه ترقياً من الأهون إلى الأغلظ من نسبة الجنون إليه وحاشاه صلى الله عليه وسلم فكأنهم قالوا‏:‏ دعوا حديث الافتراء فإن ههنا ما هو أطم منه لأن العاقل كيف يحدث بإنشاء خلق جديد بعد الرفات والتراب، ولما كان التعول على ما بعد الاضراب من إثبا الجنون أوقع الاضراب الثاني في كلامه تعالى رداً لقولهم ونفياً للجنون عنه صلوات الله تعالى وسلامه عليه وإثباتاً له فيهم إلى آخر ما قال، ولم يرتض ذلك صاحب الكشف فقال في كلام الكشاف إشارة إلى أن أم متصلة‏:‏ وفائدة العدول عن الفعل في جن إيماء إلى أن الثابت هو ذلك الشق كأنه قيل‏:‏ أعن افتراء هذا الكذب العجاب أم جنون، والتقابل لأن المجنون لا افتراء له فالاستدلال على الانقطاع بتخالف العديلين ساقط؛ وأما الترقي في الاتصال أيضاً على ما لوح إليه بوجه الطف اه‏.‏

وأنت تعلم أن ظاهر الاستدلال يقتضي الاتصال لكن قال الخفاجي‏:‏ إن كون الاستدلال مبنياً على الاتصال غير مسلم فتأمل، والظاهر أفترى على الله كذباً أم به جنة من قول بعضهم لبعض‏.‏ وفي البحر يحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال ‏{‏هل ندلكم‏}‏ ردد بين شيئين ولم يجزم بأحدهما لما في كل من الفظاعة‏.‏

‏{‏بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة فِى العذاب والضلال البعيد‏}‏ إبطال من جهته تعالى لما قالوا بقسيميه وإثبت ما هو أشد وأفظع لهم ولذا وضع الذين لا يؤمنون موضع الضمير توبيخاً لهم وإيماء إلى سبب الحكم بما بعده كأنه قيل‏:‏ ليس الأمر كما زعموا بل هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال عن الفهم والإدراك الذي هو الجنون حقيقة وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب حيث أنكروا حكمة الله تعالى في خلق العالم وكذبوه عز وجل في وعده ووعيده وتعرضوا لسخطه سبحانه‏.‏ وتقديم العذاب على ما يوجبه ويستتبعه للمسارعة إلى بيان ما يسوءهم ويفت في اعضادهم والاشعار بغاية سرعة ترتبه عليه كأنه يسابقه فيسبقه، ووصف الضلال بالبعيد الذي هو وصف الضال للمبالغة لأن ضلالهم إذا كان بعيداً في نفسه فكيف بهم أنفسهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والارض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الارض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ‏}‏ قيل‏:‏ هو استئناف مسوق لتذكيرهم بما يعاينون مما يدل على كمال قدرته عز وجل وتنبيههم على ما يحتمل أن يقع من الأمور الهائلة في ذلك إزاحة لاستحالتهم الإحياء حتى قالوا ما قالوا فيمن أخبرهم به وتهديداً على ما اجترؤوا عليه، والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أنهم أشد خلقاً أم هي وأنا إن نشأ نخسف بهم الأرض كما خسفناها بقارون أو نسقط عليهم كسفاً أي قطعاً من السماء كما أسقطنا على أصحاب الأيكة لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات وهو تفسير ملائم للمقام إلا أن ربط قوله تعالى إن نشأ الخ بما قبله بالطريق الذي ذكره بعيد‏.‏ وفي البحر أنه تعالى وقفهم في ذلك على قدرته الباهرة وحذرهم احاطة السماء والأرض بهم وكأن ثم حالا محذوفة أي أفلا يرون إلى ما يحيط بهم من سماء وأرض مقهوراً تحت قدرتنا تنصرف فيه كما نريد إن نشأ نخسف بهم الأرض الخ أو فلم ينظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم محيطاً بهم وهم مقهورون فيما بينه إن نشأ الخ ولا يخلو عن شيء، وقال العلامة أبو السعود‏:‏ إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ‏}‏ الخ استئناف مسوق لتهويل ما اجترؤوا عليه من تكذيب آيات الله تعالى واستعظام ما قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام وأنه من العظائم الموجبة لنزول أشد العقاب وحلول أفظع العذاب من غير ريث وتأخير، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن نَّشَأْ‏}‏ الخ بيان لما ينبىء عنه ذكر إحاطتهما بهم من المحذور المتوقع من جهتهما وفيه تنبيه على أنه لم يبق من أسباب وقوعه الا تعلق المشيئة به أي فعلوا ما فعلوا من المنكر الهائل المستتبع للعقوبة فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم من جميع جوانبهم بحيث لا مفر لهم عنه ولا محيص إن نشأ جرياً على موجب جناياتهم نخسف الخ، ولا يخفى أن فيه بعدا وضعف ربط بالنسبة إلى ما سمعت أولا مع أن ما بعد ليس فيه كثير ملائمة لما قبله عليه، ويخطر لي أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ‏}‏ مسوق لتذكيرهم بإظهار شيء لهم بحيث أنهم يعاينونه أينما التفتوا ولا يغيب عن أبصارهم حيثما ذهبوا يدل على كمال قدرته عز وجل إزاحة لما دعاهم إلى ذلك الاستهزاء والوقيعة بسيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام من زعمهم قصور قدرته تعالى عن البعث والأحياء ضرورة إن من قدر على خلق تلك الإجرام العظام لا يعجزه إعادة أجسام هي كلا شيء بالنسبة إلى تلك الإجرام كما قال سبحانه

‏{‏أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والارض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 81‏]‏ وفيه من التنبيه على مزيد جهلهم المشار إليه بالضلال البعيد ما فيه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ أي فيما ذكر مما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ‏{‏لآيَةً‏}‏ أي لدلالة واضحة على كمال قدرة الله عز وجل وأنه لا يعجزه البعث بعد الموت وتفرق الأجزاء المحاطة بهما ‏{‏لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ‏}‏ أي راجع إلى ربه تعالى مطيع له جل شأنه لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله عز وجل والتفكر فيها كالتعليل لما يشعر به قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ‏}‏ الخ من الحث على الاستدلال بذلك على ما يزيح إنكارهم البعث وفيه تعريض بأنهم معرضون عن ربهم سبحانه غير مطيعين له جل وعلا وتخلص إلى ذكر المنيبين إليه تعالى على قول، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن نَّشَأْ‏}‏ كالاعتراض جيء به لتأكيد تقصيرهم والتنبيه على أنهم بلغوا فيه مبلغاً يستحقون به في الدنيا فضلاً عن الأخرى نزول أشد العقاب وحلول أفظع العذاب وأنه لم يبق من أسباب ذلك الا تعلق المشيئة به إلا أنها لم تتعلق لحكمة، وظني أنه حسن وتحتمل الآية غير ذلك والله تعالى أعلم باسرار كتابه، وقيل‏:‏ إن ذلك إشارة إلى مصدر يروا وهو الرؤية وذكر لتأويله بالنظر والمراد به الفكر، وقيل إشارة إلى ما تلى من الوحي الناطق بما ذكر‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ وابن وثاب‏.‏ وعيسى‏.‏ والأعمش‏.‏ وابن مصرف ‏{‏يَشَإِ‏}‏ بالياء فيهن وأدغم الكسائي الفاء في الباء في ‏{‏يَخْسِفَ بِهِمُ‏}‏ قال أبو علي‏:‏ ولا يجوز ذلك لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كانت الباء تدغم في الفاء نحو اضرب فلاناً وهذا كما تدغم الباء في الميم نحو اضرب مالكاً ولا تدغم الميم في الباء نحو اضمم بك لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي فيها، وقال الزمخشري‏:‏ قرأ الكسائي ‏{‏يَخْسِفَ بِهِمُ‏}‏ بالادغام وليست بقوية، وأنت تعلم أن القراءة سنة متبعة ويوجد فيها الفصيح والأفصح وذلك من تيسير الله تعالى القرآن للذكر وما أدغم الكسائي إلا عن سماع فلا التفات إلى قول أبي على ولا الزمخشري‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً‏}‏ أي آتيناه لحسن انابته وصحة توبته فضلاً أي نعمة واحساناً، وقيل فضلاً وزيادة على سائر الأنبياء المتقدمين عليه أو أنبياء بني إسرائيل أو على ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه ما من فضيلة في أحد من الأنبياء عليهم السلام إلا وقد أوتي عليه الصلاة والسلام مثلها بالفعل أو تمكن منها فلم يختر إظهارها أو على الأنبياء مطلقاً وقد يكون في المفضول ما ليس في غيره، وقد انفرد عليه السلام بما ذكر ههنا، وقيل‏:‏ أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن‏.‏ وتعقب بأنه إن أريد أن كلا منها فضل لا يوجد في سائر الناس فعدم مثل ملكه وصوته محل شبهة وإن أريد المجموع من حيث هو ففيه أنه غير موجود في الأنبياء أيضاً فلا وجه لتخصيصه بهذا الوجه‏.‏

وأنا أرى الفضل لتفسير الفضل بالاحسان وتنكيره للتفخيم و‏{‏مِنَّا‏}‏ أي بلا واسطة لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا قَالَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 5 6‏]‏ وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن في النفس عند وروده فضل تمكن، وذكر شؤون داود وسليمان عليهما السلام هنا لمناسبة ذكر المينب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ لآية لكل عبد منيب‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 9‏]‏ كما أشرنا إليه، وقال أبو حيان‏:‏ مناسبة قصيتهما عليهما السلام لما قبلها هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته في زعمهم فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره إذ طفحت ببعضه أخبارهم وأشعارهم، وقيل‏:‏ ذكر سبحانه نعمته عليهما احتجاجاً على ما منح نبينا صلى الله عليه وسلم كأنه قيل‏:‏ لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديماً بكذا وكذا فلما فرغ التمثيل له عليه الصلاة والسلام رجع التمثيل لهم بسبا وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو ‏{‏فَضْلاً ياجبال أَوّبِى مَعَهُ‏}‏ أي سبحى معه قاله ابن عباس وقتادة‏.‏ وابن زيد، وأخرجه ابن جرير عن أبي ميسرة إلا أنه قال‏:‏ معناه ذلك بلغة الحبشة، والظاهر أنه عربي من التأويب والمراد رجعي معه التسبيح وردديه، وقال ابن عطية‏:‏ إن أصل ماضيه آب وضعف للمبالغة‏.‏ وتعقبه في البحر بقوله ويظهر أن التضعيف للتعدية لأن آب بمعنى رجع لازم صلته اللام فعدى بالتضعيف إذ شرحوه بقولهم رجعي معه التسبيح‏.‏

يروى أنه عليه السلام كان إذا سبح سبحت الجبال مثل تسبيحه بصوت يسمع منها ولا يعجز الله عز وجل أن يجعلها بحيث تسبح بصوت يسمع وقد سبح الحصى في كف نبينا عليه الصلاة والسلام وسمع تسبيحه وكذا في كف أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولا يبعد على هذا أن يقال‏:‏ إنه تعالى خلق فيها الفهم أولا فناداها كما ينادي أولوا الفهم وأمرها، وقال بعضهم‏:‏ إنه سبحانه نزل الجبال منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا أشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته سبحانه ودلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية حيث نادى الجبال وأمرها، وقيل‏:‏ المراد بتأويبها حملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، وفيه مع كونه خلاف المأثور إن ‏{‏مَعَهُ‏}‏ يأباه، وأيضاً لا اختصاص له عليه السلام بتأويب الجبال بهذا اللمعنى حتى يفضل به أو يكون معجزة له، وقيل‏:‏ كان عليه السلام ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تسعده باصدائها‏.‏

وفيه أن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة وإنما هو من آثار صوت المتكلم على ما قام عليه البرهان، والله تعالى نادى الجبال وأمرها أن تؤوب معه، وأيضاً أي اختصاص له عليه الصلاة والسلام بذلك ولصوت كل أحد صدى عند الجبال، وعن الحسن أن معنى ‏{‏أَوّبِى مَعَهُ‏}‏ سيرى معه أين سار، والتأويب سير النهار كأن الإنسان يسير الليل ثم يرجع السير بالنهار رأي يردده‏.‏

ومن ذلك قول تميم بن مقبل‏:‏

لحقنا بحي أوبوا السير بعدما *** دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح

وقول آخر‏:‏

يومان يوم مقامات وأندية *** ويوم سير إلى الأعداء تأويب

وأورد عليه أن الجبال أوتاد الأرض ولم ينقل سيرها مع داود عليه السلام أو غيره، وقيل‏:‏ المعنى تصرفي معه على ما يتصرف فيه فكانت إذا سبح سبحت وإذا ناح ناحت وإذا قرأ الزبور قرأت‏.‏ وتعقب بأنه لم يعرف التأويب بمعنى التصرف في لغة العرب، وقيل‏:‏ المعنى ارجعي إلى مراده فيما يريد من حفر واستنباط أعين واستخراج معدن ووضع طريق، والجملة معمولة لقول مضمر أي قولنا يا جبال على أنه بدل من ‏{‏فَضْلاً‏}‏ بدل كل من كل أو بدل اشتمال أو قلنا يا جبال على أنه بدل من ‏{‏ءاتَيْنَا‏}‏ وجوز كونه بدلاً من ‏{‏فَضْلاً‏}‏ بناء على أنه يجوز إبدال الجملة من المفرد، وجوز أبو حيان الاستئناف وليس بذاك‏.‏

وقرأ ابن عباس‏.‏ والحسن‏.‏ وقتادة‏.‏ وابن أبي إسحق ‏{‏أَوّبِى‏}‏ بضم الهمزة وسكون الواو أمر من الأوب وهو الرجوع وفرق بينهما الراغب بأن الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة والرجوع يقال فيه وفي غيره‏.‏

والمعنى على هذه القراءة عند الجمهور ارجعي معه في التسبيح وأمر الجبال كامر الواحدة المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل يجوز فيه ذلك، ومنه يا خيل الله اركبي وكذا ‏{‏مآَرِبُ أخرى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 8 1‏]‏ وقد جاء ذلك في جمع من يعقل من المؤنث قال الشاعر‏:‏

تركنا الخيل والنعم المفدي *** وقلنا للنساء بها أقيمي

لكن هذا قليل ‏{‏والطير‏}‏ بالنصب وهو عند أبي عمرو بن العلاء باضمار فعل تقديره وسخرنا له الطير وحكى أبو عبيدة عنه أن ذاك بالعطف على ‏{‏فَضْلاً‏}‏ ولا حاجة إلى الإضمار لأن إيتاءها إياه عليه السلام تسخيرها له، وذكر الطيبي أن ذلك كقوله‏:‏

علفتها تبنا وماء باردا *** وقال الكسائي‏:‏ بالعطف أيضاً إلا أنه قدر مضافاً أي وتسبيح الطير ولا يحتاج إليه، وقال سيبويه‏:‏ الطير معطوف على محل ‏{‏جِبَالٍ‏}‏ نحو قوله‏:‏

ألا يا زيد والضحاك سيرا *** بنصب الضحاك، ومنعه بعض النحويين للزوم دخول يا علي المنادى المعرف بأل‏.‏

والمجيز يقول‏:‏ رب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً، وقال الزجاج‏:‏ هو منصوب على أنه مفعول معه‏.‏ وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن قبله ‏{‏مَعَهُ‏}‏ ولا يقتضي اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف فكما لا يجوز جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف كذلك هذا، وقال الخفاجي‏:‏ لا يأباه ‏{‏مَعَهُ‏}‏ سواء تعلق بأوبى على أنه ظرف لغو أو جعل حالا لأنهما معمولان متغايران إذ الظرف والحال غير المفعول معه وكل منها باب على حده وإنما الموهم لذلك لفظ المعية فما اعترض به أبو حيان غير متوجه وإن ظن كذلك، وأقبح من الذنب الاعتذار حيث أجيب بأنه يجوز أن يقال حذفت واو العطف من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والطير‏}‏ استثقالاً لاجتماع الواوين أو اعتبر تعلق الثاني بعد تعلق الأول‏.‏

وقرأ السلمي‏.‏ وابن هرمز‏.‏ وأبو يحيى‏.‏ وأبو نوفل‏.‏ ويعقوب‏.‏ وابن أبي عبلة‏.‏ وجماعة من أهل المدينة‏.‏ وعاصم في رواية ‏{‏والطير‏}‏ بالرفع وخرج على أنه معطوف على ‏{‏جِبَالٍ‏}‏ باعتبار لفظه وحركته لعروضها تشبه حركة الاعراب ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وقيل معطوف على الضمير المستتر في ‏{‏أَوّبِى‏}‏ وسوغ ذلك الفصل بالظرف، وقيل‏:‏ هو بتقدير ولتؤوب الطير نظير ما قيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5 3‏]‏‏.‏

وقيل‏:‏ هو مرفوع بالابتداء والخبر محذوف أي والطير تؤوب ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الحديد‏}‏ وجعلناه في يده كالشمع والعجين ينصرفه كما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة قاله السدى‏.‏ وغيره، وقيل‏:‏ جعلناه بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إياه لينا كالشمع بالنسبة إلى قوى سائر البشر

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏أَنِ اعمل سابغات‏}‏ ‏{‏ءانٍ‏}‏ مصدرية وهي على إسقاط حرف الجر أي ألنا له الحديد لعمل سابغات أو وأمرناه بعمل سابغات، والأول أولى، وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة ولما كان شرط المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه وألنا ليس فيه ذلك قدر بعضهم قبلها فعلا محذوفاً فيه معنى القول ليصح كونها مفسرة أي وأمرناه أن أعمل أي أي اعمل، وأورد عليه أن حذف المفسر لم يعهد، والسابغات الدروع وأصله صفة من السبوغ وهو التمام والكمال فغلب على الدروع كالابطح قال الشاعر‏:‏

لا سابغات ولا جأواء باسلة *** تقي المنون لدى استيفاء آجال

ويقال سوابغ أيضاً كما في قوله‏:‏

عليها أسود ضاريات لبوسهم *** سوابغ بيض لا تخرقها النبل

فلا حاجة إلى تقدير موصوف أي دروعاً سابغات، ولا يرد هذا نقصاً على ما قيل إن الصفة ما لم تكن مختصة بالموصوف كحائض لا يحذف موصوفها‏.‏ وقرىء ‏{‏صابغات‏}‏ بإبدال السين صاداً لأجل الغين‏.‏

‏{‏سابغات وَقَدّرْ فِى السرد‏}‏ السرد نسج في الأصل كما قال الراغب خرز ما يخشن ويغلظ قال الشماخ‏:‏

فظلت سراعاً خيلنا في بيوتكم *** كما تابعت سرد العنان الخوارز

واستعير لنظم الحديد‏.‏ وفي «البحر» هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه ويقال للدرع مسرودة لأنه توبع فيها الحلق بالحلق قال الشاعر‏:‏

وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع

ولصانعها سراد وزراد بإبدال السين زاياً، وفسره هنا غير واحد بالنسج وقال‏:‏ المعنى اقتصد في نسخ الدروع بحيث تتناسب حلقها، وابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم من طرق بالحلق أي اجعل حلقها على مقادير متناسبة، وقال ابو زيد‏:‏ لا تعملها صغيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع ولا كبيرة فينال صاحبها من خلالها، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس تفسيرها بالمسامير وروي ذلك عن قتادة‏.‏ ومجاهد أي قدر مساميرها فلا تعملها دقاقاً ولا غلاظاً أي اجعلها على مقدار معين دقة وغيرها مناسبة للثقب الذي هىء لها في الحلقة فإنها إن كانت دقيقة اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها وإن كانت غلظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسك أيضاً، ويبعد هذا أن إلانة الحديد له عليه السلام بحيث كان كالشمع والعجيب يغني عن التسمير فإنه بعد جمع الحلق وإدخال بعضه في بعض يزال انفصال طرفي كل حلقة بمزج الطرفين كما يمزج طرفا حلقة من شمع أو عجين والإحكام بذلك أتم من الإحكام بالتسمير بل لا يبقى معه حاجة إلى التسمير أصلاً فلعله إن صح مبني على أنه عليه السلام كان يعمل الحلق من غير مزج لطرفي كل فيسمر للإحكام بعد إدخال بعضه في بعض، ويظهر ذلك على التفسير الثاني لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الحديد‏}‏ إذ غاية القوة كسر الحديد كما يريد من غير آلة دون وصل بعضه ببعض، ولا يعارض ذلك ما نقل عن البقاعي أنه قال‏:‏ أخبرنا بعض من رأى ما نسب إلى داود عليه السلام من الدروع أنه بغير مسامير فإنه نقل عن مجهول فلا يلتفت لمثله، وقيل معنى ‏{‏قُدِرَ فِى السرد‏}‏ لا تصرف جميع أوقاتك فيه بل مقدار ما يحصل به القوت وأما الباقي فاصرفه إلى العبادة قيل وهو الأنسب بالأمر الآتي، وحكى أنه عليه السلام أول من صنع الدرع حلقاً وكانت قبل صفائح وروي ذلك عن قتادة‏.‏

وعن مقاتل أنه عليه السلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكراً فيسأل الناس عن حاله فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله فقال‏:‏ نعم العبد لولا خلة فيه فقال‏:‏ وما هي‏؟‏ قال‏:‏ يرزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده تمت فضائله فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فأثرى وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو في بعض ليل وثمنها ألف درهم‏.‏

وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»‏.‏ وابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال‏:‏ كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم ألفان له ولأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل الخبز الحواري، وقيل‏:‏ كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء، وفي «مجمع البيان» عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه عمل ثلثمائة وستين درعاً فباعها بثلثمائة وستين ألف درهم فاستغنى عن بيت المال ‏{‏واعملوا صالحا‏}‏ خطاب لداود وآله عليهم السلام وهم وإن لم يجر لهم ذكر يفهمون على ما قاله الخفاجي التزاماً من ذكره، وجوز أن يكون خطاباً له عليه السلام خاصة على سبيل التعظيم، وأياً ما كان فالظاهر أنه أمر بالعمل الصالح مطلقاً، وليس هو على الوجه الثاني أمراً بعمل الدروع خالية من عيب‏.‏

‏{‏إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ فأجازيكم به وهو تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به على وجه الترغيب والترهيب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏ولسليمان الريح‏}‏ أي وسخرنا له الريح، وقيل‏:‏ ‏{‏لسليمان‏}‏ عطف على ‏{‏لَهُ‏}‏ في ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الحديد‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 10‏]‏ والريح عطف على ‏{‏الحديد‏}‏ وإلانة الريح عبارة عن تسخيرها‏.‏

وقرأ أبو بكر ‏{‏الريح‏}‏ بالرفع على أنه مبتدأ و‏{‏لسليمان‏}‏ خبره والكلام على تقدير مضاف أي ولسليمان تسخير الريح، وذهب غير واحد إلى أنه مبتدأ ومتعلق الجار كون خاص هو الخبر وليس هناك مضاف مقدر أي ولسليمان الريح مسخرة، وعندي أن الجملة على القراءتين معطوفة على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 0 1‏]‏ الخ عطف القصة على القصة، وقال ابن الشيخ‏:‏ العطف على القراءة الأولى على ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الحديد‏}‏ وكلتا الجملتين فعلية وعلى القراءة الثانية العطف على اسمية مقدرة دلت عليها تلك الجملة الفعلية لا عليها للتخالف فكأنه قيل‏:‏ ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح فإنها كانت له كالمملوك المخص بالمالك يأمرها بما يريد ويسير عليها حيثما يشاء، ثم قال‏:‏ وإنما لم يقل ومع سليمان الريح لأن حركتها ليست بحركة سليمان بل هي تتحرك بنفسها وتحرك سليمان وجنوده بحركتها وتسير بهم حيث شاء وهذا على خلاف تأويب الجبال فإنه كان تبعاً لتأويب داود عليه السلام فلذا جىء بهناك بمعه‏.‏

وقرأ الحسن‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وخالد بن الياس ‏{‏الرياح‏}‏ بالرفع جمعاً ‏{‏غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ‏}‏ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك، والجملة إما مستأنفة أو حال من ‏{‏الريح‏}‏ ولا بد من تقدير مضاف في الخبر لأن الغدو والرواح ليس نفس الشهر وإنما يكونان فيه، ولا حاجة إلى تقدير في المبتدأ كما فعل مكي حيث قال‏:‏ أي مسير غدوها مسيرة شهر ومسير رواحها كذلك لما لا يخفى، وقال ابن الحاجب في أماليه الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح والألفاظ التي تأتي مبنية للمقادير لا يحسن فيها الإضمار ألا ترى أنك تقول زنه هذا مثقال وزنة هذا مثقال فلا يحسن الإضمار كما لا يحسن في التمييز، وأيضاً فإنه لو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار خصوصيته فإذا لم يكن له بذلك الاعتبار وجب العدول إلى الظاهر، ألا ترى أنك إذا أكرمت رجلاً وكسوت ذلك الرجل بخصوصه لكانت العبارة أكرمت رجلاً وكسوته ولو أكرمت رجلاً وكسوت رجلاً آخر لكانت العبارة أكرمت رجلاً وكسوت رجلاً فتبين أنه ليس من وضع الظاهر موضع الضمير كذا في حواشي الطيبي عليه الرحمة، ولا يخفى أن ما ذكره مبني على ما هو الغالب وإلا فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏ ولم يقتصر على الإعلام بزمن الغدو ليقاس عليه زمن الرواح لأن الريح كثيراً ما تسكن أو تضعف حركتها بالعشي فدفع بالتنصيص على بيان زمن الرواح توهم اختلاف الزمانين، قال قتادة‏:‏ كانت الريح تقطع به عليه السلام في الغدو إلى الزوال مسيرة شهر وفي الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر‏.‏

وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أنه قال في الآية كان سليمان عليه السلام يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة خراسان‏.‏

وقد ذكر حديث هذه الريح في بعض الأشعار القديمة قال وهب‏:‏ ونقله عنه في «البحر» وجدت أبياتاً منقورة في صخرة بأرض كسكر لبعض أصحاب سليمان عليه السلام وهي‏:‏

ونحن ولا حول سوى حول ربنا *** نروح من الأوطان من أرض تدمر

إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا *** مسيرة شهر والغدو لآخر أناس

شروا لله طوعاً نفوسهم *** بنصر ابن داود النبي المطهر

لهم في معالي الدين فضل ورفعة *** وإن نسبوا يوماً فمن خير معشر

متى تركب الريح المطيعة أسرعت *** مبادرة عن شهرها لم تقصر

تظلهم طير صفوف عليهم *** متى رفرفت من فوقهم لم تنفر

وذكر أيضاً رضي الله تعالى عنه أنه عليه السلام كان مستقره تدمر وأن الجن قد بنتها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأشقر وقال‏:‏ وفيه يقول النابغة‏:‏

ألا سليمان إذ قال الإله له *** قم في البرية فاسددها عن الفند

وجيش الجن إني قد أذنت لهم *** يبنون تدمر بالصفاح والعمد

انتهى، وما ذكره في تدمر هو المشهور عند العامة وقد ذكر ذلك الثعالبي في تفسيره مع الأبيات المذكورة لكن في «القاموس» تدمر كتنصر بنت حسان بن أذينة بها سميت مدينتها وهو ظاهر في المخالفة، ولعل التعويل على ما فيه إن لم يمكن الجمع والله تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏غدوتها‏.‏ وروحتها‏}‏ على وزن فعلة وهي المرة الواحدة من غدا وراح ‏{‏وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر‏}‏ أي النحاس الذائب من قطر يقطر قطراً وقطراناً بسكون الطاء وفتحها، وقيل الفلزات النحاس والحديد وغيرهما، وعلى الأول جمهور اللغويين، وأريد بعين القطر معدن النحاس ولكنه سبحانه أساله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سمي عين القطر باسم ما آل إليه، وذكر الجلبي أن نسبة الإسالة إلى العين مجازية كما في جري النهر‏.‏

وقال الخفاجي‏:‏ إن كانت العين هنا بمعنى الماء المعين أي الجاري وإضافته كما في لجين الماء فلا تجوز في النسبة وإنما هو من مجاز الأول على أن العين منبع الماء ولا حاجة إليه اه فتأمل‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ القطر النحاس وعين بمعنى ذات ومعنى أسلنا أذبنا فالمعنى أذبنا له النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود عليه السلام فكانت الأعمال تتأتى منه وهو بارد دون نار ولم يلن ولا ذاب لأحد قبله والظاهر المؤيد بالآثار أنه تعالى جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء‏.‏

أخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه قال في الآية‏:‏ أسال الله تعالى له القطر ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ سيلت له عين من نحاس ثلاثة أيام، وفي «البحر» عن ابن عباس‏.‏ والسدي‏.‏ ومجاهد قالوا‏:‏ أجريت له عليه السلام ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن، وفي رواية عن مجاهد أن النحاس سال من صنعاء وقيل‏:‏ كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام‏.‏

‏{‏وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ يحتمل أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف هو خبر مقدم و‏{‏مِنْ‏}‏ في محل رفع مبتدأ ويحتمل أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً مقدماً من ‏{‏مِنْ‏}‏ وهي في محل نصب عطف على ‏{‏الريح‏}‏ وجوز أن يكون ‏{‏مّن الجن‏}‏ عطفاً على الريح على أن من للتبعيض و‏{‏مَن يَعْمَلُ‏}‏ بدل منه وهو تكلف و‏{‏يَعْمَلُ‏}‏ إما منزل منزلة اللازم أو مفعوله مقدر يفسره ما سيأتي إن شاء الله تعالى ليكون تفصيلاً بعد الإجمال وهو أوقع في النفس ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِ‏}‏ بأمره عز وجل ‏{‏وَمِنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا‏}‏ أي ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان عليه السلام‏.‏ وقرىء ‏{‏يَزِغْ‏}‏ بضم الياء من أزاغ مبنياً للفاعل ومفعوله محذوف أي من يمل ويصرف نفسه أو غيره، وقيل مبنياً للمفعول فلا يحتاج إلى تقدير مفعول ‏{‏نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير‏}‏ أي عذاب النار في الآخرة كما قال أكثر المفسرين وروي ذلك عن ابن عباس، وقال بعضهم‏:‏ المراد تعذيبه في الدنيا‏.‏

روي عن السدي أنه عليه السلام كان معه ملك بيده سوط من نار كل ما استعصى عليه جنى ضربه من حيث لا يراه الجني‏.‏

وفي بعض الروايات أنه كان يحرق من يخالفه، واحتراق الجني مع أنه مخلوق من النار غير منكر فإنه عندنا ليس ناراً محضة وإنما النار أغلب العناصر فيه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب‏}‏ جمع محراب وهو كما قال عطية القصر، وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته، فإن المحراب في الأصل من صيغ المبالغة اسم لمن يكثر الحرب وليس منقولاً من اسم الآلة وإن جوزه بعضهم، ولابن حيوس‏:‏

جمع الشجاعة والخشوع لربه *** ما أحسن المحراب في محرابه

ويطلق على المكان المعروف الذي يقف بحذائه الإمام، وهو مما أحدث في المساجد ولم يكن في الصدر الأول كما قال السيوطي وألف في ذلك رسالة ولذا كره الفقهاء الوقوف في داخله‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ المحاريب المساكن، وقيل ما يصعد إليه بالدرج كالغرف، وقال مجاهد‏:‏ هي المساجد سميت باسم بعضها تجوزاً على ماق يل، وهو مبني على أن المحراب اسم لحجرة في المسجد يعبد الله تعالى فيها أو لموقف الإمام‏.‏

وأخرج ابن المنذر‏.‏ وغيره عن قتادة تفسيرها بالقصور والمساجد معاً، وجملة ‏{‏يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء‏}‏ استئناف لتفصيل ما ذكر من عملهم، وجوز كونها حالاً وهو كما ترى ‏{‏وتماثيل‏}‏ قال الضحاك‏:‏ كانت صور حيوانات، وقال الزمخشري‏:‏ صور الملائكة والأنبياء والصلحاء كانت تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وكان اتخاذ الصور في ذلك الشرع جائزاً كما قال الضحاك وأبو العالية‏.‏

وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن ابن عباس أنه قال في الآية اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من نحاس فقال‏:‏ يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فينفخ الله تعالى فيها الروح فكانت تخدمه واسنفديار من بقاياهم؛ وهذا من العجب العجاب ولا ينبغي اعتقاد صحته وما هو إلا حديث خرافة، وأما ما روي من أنهم عملوا له عليه السلام أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما فأمر غير مستبعد فإن ذلك يكون بآلات تتحرك عند الصعود وعند القعود فتحرك الذراعين والأجنحة، وقد انتهت صنائع البشر إلى مثل ذلك في الغرابة، وقيل‏:‏ التماثيل طلسمات فتعمل تمثالاً للتمساح أو للذباب أو للبعوض فلا يتجاوزه الممثل به ما دام في ذلك المكان، وقد اشتهر عمل نحو ذلك عن الفلاسفة وهو مما لا يتم عندهم إلا بواسطة بعض الأوضاع الفلكية، وعلى الباب الشهيرة بباب الطلسم من أبواب بغداد تمثال حية يزعمون أنه لمنع الحيات عن الإيذاء داخل بغداد ونحن قد شاهدنا مراراً أناساً لسعتهم الحيات فمنهم من لم يتأذ ومنهم من تأذى يسيراً ولم نشاهد موت أحد من ذلك وقلما يسلم من لسعته خارج بغداد لكن لا نعتقد أن لذلك التمثال مدخلاً فيما ذكر ونظن أن ذاك لضعف الصنف الموجود في بغداد من الحيات وقلة شره بالطبيعة، وقيل كانت التماثيل صور شجر أو حيوانات محذوفة الرؤوس مما جوز في شرعتنا، ولا يحتاج إلى التزام ذلك إلا إذا صح فيه نقل فإن الحق أن حرمة تصوير الحيوان كاملاً لم تكن في ذلك الشرع وإنما هي في شرعنا ولا فرق عندنا بين أن تكون الصورة ذات ظل وأن لا تكون كذلك كصورة الفرس المنقوشة على كاغد أو جدار مثلاً‏.‏

وحكى مكي في «الهداية» أن قوماً أجازوا التصوير وحكاه النحاس أيضاً وكذا ابن الفرس واحتجوا بهذه الآية‏.‏ وأنت تعلم أنه ورد في شرعنا من تشديد الوعيد على المصورين ما ورد فلا يلتفت إلى هذا القول ولا يصح الاحتجاج بالآية، وكأنه إنما حرمت التماثيل لأنه بمرور الزمان اتخذها الجهلة مما يعبد وظنوا وضعها في المعابد لذلك فشاعت عبادة الأصنام أو سداً لباب التشبه بمتخذي الأصنام بالكلية ‏{‏وَجِفَانٍ‏}‏ جمع جفنة وهي ما يوضع فيها الطعام مطلقاً كما ذكره غير واحد، وقال بعض اللغويين‏:‏ الجفنة أعظم القصاع ويليها القصعة وهي ما تشبع العشرة ويليها الصحفة وهي ما تشبع الخمسة ويليه المئكلة وهي ما تشبع الاثنين والثلاثة ويليها الصحيفة وهي ما تشبع الواحد، وعليه فالمراد هنا المطلق لظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كالجواب‏}‏ أي كالحياض العظام جمع جابية من الجباية أي الجمع فهي في الأصل مجاز في الطرف أو النسبة لأنها يجبى إليها لا جابية ثم غلبت على الإناء المخصوص غلبة الدابة في ذوات الأربع، وجاء تشبيه الجفنة بالجالية في كلامهم من ذلك قول الأعشى‏:‏

نفي الذم عن آل المحلق جفنة *** كجابية السيح العراقي تفهق

وقول الأفوه الأودي‏:‏

وقدور كالربى راسية *** وجفان كالجوابي مترعة

وذكر في سعة جفان سليمان عليه السلام أنها كانت على الواحدة منها ألف رجل‏.‏ وقرىء ‏{‏كالجوابي‏}‏ بياء وهو الأصل وحذفها للاجتزاء بالكسرة وإجراء أل مجرى ما عاقبها وهو التنوين فكما يحذف مع التنوين يحذف مع ما عاقبه ‏{‏كالجواب وَقُدُورٍ‏}‏ جمع قدر وهو ما يطبخ فيه من فخار أو غيره وهو على شكل مخصوص ‏{‏رسيات‏}‏ ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها قاله قتادة، وقيل‏:‏ كانت عظيمة كالجبال وقدمت المحاريب على التماثيل لأن الصور ترفع في المحاريب أو تنقش على جدرانها، وقدمت الجفان على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل لأنه لما ذكرت الأبنية الملكية ناسب أن يشار إلى عظمة السماط الذي يمد فيها فذكرت الجفان أولاً لأنها تكون فيها بخلاف القدور فإنها لا تحضر هناك كما ينبىء عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رسيات‏}‏ على ما سمعت أولاً، وكأنه لما بين حال الجفان اشتاق الذهن إلى حال القدور فذكرت للمناسبة‏.‏

‏{‏اعملوا ءالَ دَاوُودُ شاكرا‏}‏ بتقدير القول على الاستئناف أو الحالية من فاعل ‏{‏سَخَّرْنَا‏}‏ المقدر وآل منادي حذف منه حرف النداء و‏{‏شاكرا‏}‏ نصب على أنه مفعول له، وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف أو على أنه مفعول مطلق لا عملوا لأن الشكر نوع من العمل فهو كقعدت القرفصاء، وقيل‏:‏ لتضمين ‏{‏اعملوا‏}‏ معنى اشكروا، وقيل‏:‏ لاشكروا محذوفاً أو على أنه حال بتأويل اسم الفاعل أي اعملوا شاكرين لأن الشكر يعم القلب والجوارح أو على أنه صفة لمصدر محذوف أي اعملوا عملاً شكراً أو على أنه مفعول به لاعملوا فالكلام كقولك عملت الطاعة، وقيل‏:‏ إن اعملوا أقيم مقام اشكروا مشاكلة لقوله سبحانه يعملون‏.‏

وقال ابن الحاجب‏:‏ أنه جعل مفعولاً به تجوزاً‏.‏ وأياً ما كان فقد روي ابن أبي الدنيا والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن مسعود قال‏:‏ لما قيل لهم اعملوا آل داود شكراً، لم يأت ساعة على القوم إلا ومنهم قائم يصلي، وفي رواية كان مصلى آل داود لم يخل من قائم يصلي ليلاً ونهاراً وكانوا يتناوبونه وكان سليمان عليه السلام يأكل خبز الشعير ويطعم أهله خشادته، والمساكين الدرمك وهو الدقيق الحواري وما شبع قط؛ وقيل‏:‏ له في ذلك فقال‏:‏ أخاف إذا شبعت أن أنسي الجياع، وجوز بعض الأفاضل دخول داود عليه السلام في الآل هنا لأن آل الرجل قد يعمه‏.‏

ويؤيده ما أخرجه أحمد في الزهد‏:‏ وابن المنذر‏.‏ والبيهقي في «شعب الإيمان» عن المغيرة بن عتيبة قال‏:‏ قال داود عليه السلام يا رب هل بات أحد من خلقك أطول ذكراً مني فأوحى الله تعالى إليه الضفدع وأنزل سبحانه عليه عليه السلام ‏{‏اعملوا ءالَ دَاوُودُ شاكرا‏}‏ فقال داود عليه السلام كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر فالنعمة منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك‏؟‏ فقال جل وعلا‏:‏ يا داود الآن عرفتني حق معرفتي‏.‏

وجاء في رواية ابن أبي حاتم عن الفضيل أنه عليه السلام قال يا رب‏:‏ كيف أشكرك والشكر نعمة منك‏؟‏ قال سبحانه‏:‏ الآن شكرتني حين علمت النعم مني، وكذا ما أخرجه الفريابي‏:‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ قال داود لسليمان عليهما السلام‏:‏ قد ذكر الله تعالى الشكر فاكفني قيام النار أكفك قيام الليل قال‏:‏ لا أستطيع قال‏:‏ فاكفني صلاة النهار فكفأه ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هو الذي يشكر على أحواله كلها، وفي «الكشاف» هو المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعترافاً واعتقاداً وكدحاً وأكثر أوقاته، وقال السدي‏:‏ هو من يشكر على الشكر، وقيل‏:‏ من يرى عجزه عن الشكر لأن توفيقه للشكر نعمة يستدعي شكراً آخر لا إلى نهاية، وقد نظم هذا بعضهم فقال‏:‏

إذا كان شكري نعمة الله نعمة *** علي له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله *** وإن طالت الأيام واتسع العمر

إذا مس بالنعماء عم سرورها *** وإن مس بالضراء أعقبها الأجر

وقد سمعت آنفاً ما روي عن داود عليه السلام، وهذه الجملة يحتمل أن تكون داخلة في خطاب آل داود وهو الظاهر وأن تكون جملة مستقلة جىء بها إخباراً لنبينا صلى الله عليه وسلم وفيها تنبيه وتحريض على الشكر‏.‏

وقرأ حمزة ‏{‏عِبَادِى‏}‏ بسكون الياء وفتحها الباقون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت‏}‏ قيل أي أوقعنا على سليمان الموت حاكمين به عليه، وفي «مجمع البيان» أي حكمنا عليه بالموت، وقيل‏:‏ أوجبناه عليه، وفي «البحر» أي أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من الموت وأخرجناه إلى حيز الوجود، وفيه تكلف، وأياً ما كان فليس المراد بالقضاء أخا القدر فتدبر، ولما شرطية ما بعدها شرطها وجوابها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الاْرْضِ‏}‏ واستدل بذلك على حرفيتها وفيه نظر؛ وضمير ‏{‏دَلَّهُمْ‏}‏ عائد على الجن الذين كانوا يعملون له عليه السلام، وقيل‏:‏ عائد على آل سليمان، ويأباه بحسب الظاهر قوله تعالى بعد‏:‏ ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ والمراد بدابة الأرض الأرضة بفتحات وهي دويبة تأكل الخشب ونحوه وتسمى سرفة بضم السين وإسكان الراء المهملة وبالفاء، وفي حياة الحيوان عن ابن السكيت أنها دويبة سوداء الرأس وسائرها أحمر تتخذ لنفسها بيتاً مربعاً من دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض بلعابها ثم تدخل فيه وتموت، وفي المثل أصنع من سرفة وسماها في «البحر» بسوسة الخشب، والأرض على ما ذهب إليه أبو حاتم وجماعة مصدر أرضت الدابة الخشب تأرضه إذا أكلته من باب ضرب يضرب فإضافة ‏{‏دَابَّةٍ‏}‏ إليه من إضافة الشيء إلى فعله، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس‏.‏ والعباس بن الفضل ‏{‏الارض‏}‏ بفتح الراء لأنه مصدر أرض من باب علم المطاوع لأرض من باب ضرب يقال أرضت الدابة الخشب بالفتح فأرض بالكسر كما يقال أكلت القوادح الأسنان أكلاً فأكلت أكلاً فالأرض بالسكون الأكل والأرض بالفتح التأثر من ذلك الفعل‏.‏

وقد يفسر الأول بالتأثر الذي هو الحاصل بالمصدر لتتوافق القراءتان، وقيل الأرض بالفتح جمع أرضة وإضافة ‏{‏دَابَّةٍ‏}‏ إليه من إِضافة العام إلى الخاص، وقيل‏:‏ إن الأرض بالسكون بمعناها المعروف وإضافة ‏{‏دَابَّةٍ‏}‏ إليها قيل لأن فعلها في الأكثر فيها، وقيل لأنها تؤثر في الخشب ونحوه كما تؤثر الأرض فيه إذا دفن فيها وقيل غير ذلك والأولى التفسير الأول وإن لم تجىء الأرض في القرآن بذلك المعنى في غير هذا الموضع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ‏}‏ في موضع الحال من ‏{‏دَابَّةٍ‏}‏ أي آكلة منسأته والمنسأة العصا من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها أو من نسأته إذا أخرته ومنه النسىء، ويظهر من هذا أنها العصا الكبيرة التي تكون مع الراعي وأضرابه‏.‏

وقرأ نافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ وجماعة ‏{‏مِنسَأَتَهُ‏}‏ بألف وأصله منسأته فأبدلت الهمزة ألفاً بدلاً غير قياسي‏.‏

وقال أبو عمرو‏:‏ أنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقا فإن كانت مما لا تهمز فقد احتطت وإن كانت مما تهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، ولعله بيان لوجه اختيار القراءة بدون همزة وبالهمز جاءت في قول الشاعر‏:‏

ضربت بمنسأة وجهه *** فصار بذاك مهيناً ذليلا

وبدونه في قوله‏:‏

إذا دببت على المنسأة من هرم *** فقد تباعد منك اللهو والغزل

وقرأ ابن ذكوان وبكار‏.‏ والوليد بن أبي عتبة‏.‏ وابن مسلم‏.‏ وآخرون ‏{‏مِنسَأَتَهُ‏}‏ بهمزة ساكنة وهو من تسكين المتحرك تخفيفاً وليس بقياس، وضعف النحاة هذه القراءة لأنه يلزم فيها أن يكون ما قبل تاء التأنيث ساكناً غير ألف، وقيل‏:‏ قياسها التخفيف بين بين والراوي لم يضبط، وأنشد هارون بن موسى الأخفش الدمشقي شاهداً على السكون في هذه القراءة قول الراجز‏:‏

صريع خمر قام من وكأته *** كقومة الشيخ إلى منسأته

وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً و‏{‏منساءته‏}‏ بالمد على وزن مفعالة كما يقال في الميضأة وهي آلة التوضىء وتطلق على محله أيضاً ميضاءة، وقرىء ‏{‏منسيته‏}‏ بإبدال الهمزة ياء‏.‏ وقرأت فرقة منهم عمرو بن ثابت عن ابن جبير ‏{‏صَلَحَ مِنْ‏}‏ مفصولة حرف جر ‏{‏ساته‏}‏ بجر التاء وهي طرف العصا وأصلها ما انعطف من طرفي القوس ويقال فيه سية أيضاً استعيرت لما ذكر إما استعارة اصطلاحية لأنها كانت خضراء فاعوجت بالاتكاء عليها على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى في القصة أو لغوية باستعمال المقيد في المطلق، وبما ذكر علم رد ما قاله البطليوسي بعدما نقل هذه القراءة عن الفراء أنه تعجرف لا يجوز أن يستعمل في كتاب الله عز وجل ولم يأت به رواية ولا سماع ومع ذلك هو غير موافق لقصة سليمان عليه السلام لأنه لم يكن معتمداً على قوس وإنما كان معتمداً على عصا‏.‏ وقرىء ‏{‏تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ‏}‏ بصيغة الماضي فالجملة إما حال أيضاً بتقدير قد أو بدونه وإما استئناف بياني‏.‏

‏{‏فَلَمَّا خَرَّ‏}‏ أي سقط ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ أي علمت بعد التباس أمر سليمان من حياته ومماته عليهم ‏{‏أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب المهين‏}‏ أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته زمن وقوعه فلم يلبثوا بعده حولاً في الأعمال الشاقة إلى أن خر، والمراد بالجن الذين علموا ذلك ضعفاء الجن وبالذين نفى عنهم علم الغيب رؤساؤهم وكبارهم على ما روي عن قتادة، وجوز عليه أن يراد بالأمر الملتبس عليهم أمر علم الغيب أو المراد بالجن الجنس بأن يسند للكل ما للبعض أو المراد كبارهم المدعون علم الغيب أي علم االمدعون علم الغيب منهم عجزهم وأنهم لا يعلمون الغيب، وهم وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم لكن أريد التهكم بهم كما تقول للمبطل إذا دحضت حجته هل تبينت أنك مبطل‏.‏ وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبيناً‏.‏

وجوز أن يكون تبين بمعنى بان وظهر فهو غير متعد لمفعول كما في الوجه الأول فإن مفعوله فيه ‏{‏أَن لَّوْ كَانُواْ‏}‏ الخ وهو في هذا الوجه بدل من ‏{‏الجن‏}‏ بدل اشتمال نحو تبين زيد جهله، والظهور في الحقيقة مسند إليه أي فلما خر بان للناس وظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب، ولا حاجة على ما قرر إلى اعتبار مضاف مقدر هو فاعل تبين في الحقيقة إلا أنه بعد حذفه أقيم المضاف إليه مقامه وأسند إليه الفعل ثم جعل ‏{‏أَن لَّوْ كَانُواْ‏}‏ الخ بدلاً منه بدل كل من كل والأصل تبين أمر الجن أن لو كانوا الخ، وجعل بعضهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ الخ قياساً طويت كبراه فكأنه قيل لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين لكنهم لبثوا في العذاب المهين فهم لا يعلمون الغيب، ومجىء تبين بمعنى بان وظهر لازماً وبمعنى أدرك وعلم متعدياً موجود في كلام العرب قال الشاعر‏:‏

تبين لي أن القماءة ذلة *** وأن أعزاء الرجال طيالها

وقال الآخر‏:‏

أفاطم إني ميت فتبيني *** ولا تجزعي كل الأنام تموت

وفي «البحر» نقلاً عن ابن عطية قال‏:‏ ذهب سيبويه إلى أن ‏{‏ءانٍ‏}‏ لا موضع لها من الأعراب وإنما هي منزلة منزلة القسم من الفعل للذي معناه التحقيق واليقين، لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها تحل محل القسم فما لبثوا جواب القسم لا جواب لو اه فتأمله فإني لا أكاد أتعقله وجهاً يلتفت إليه‏.‏

وفي «أمالي» العز بن عبد السلام أن الجن ليس فاعل ‏{‏تَبَيَّنَتِ‏}‏ بل هو مبتدأ ‏{‏وَإِنَّ لُوطاً كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏ خبره والجملة مفسرة لضمير الشأن في ‏{‏تَبَيَّنَتِ‏}‏ إذ لولا ذلك لكان معنى الكلام لما مات سليمان وخر ظهر لهم أنهم لا يعلمون الغيب وعلمهم بعدم علمهم الغيب لا يتوقف على هذا بل المعنى تبينت القصة ما هي والقصة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الجن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب المهين‏}‏ اه، والعجب من صدور مثله عن مثله، وما جعله مانعاً عن فاعلية ‏{‏الجن‏}‏ مدفوع بما سمعت في تفسير الآية كما لا يخفى، وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه قرىء ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ بالنصب على أن تبينت بمعنى علمت والفاعل ضمير الإنس ‏{‏والجن‏}‏ مفعوله، وقرأ ابن عباس فيما ذكر ابن خالويه‏.‏ ويعقوب بخلاف عنه ‏{‏تَبَيَّنَتِ‏}‏ مبنياً للمفعول، وقرأ أبي ‏{‏تَبَيَّنَتِ الإنس‏}‏ بمعنى تعارقت وتعالمت والضمير في ‏{‏كَانُواْ‏}‏ للجن المذكو فيما سبق وقرأ ابن مسعود ‏{‏تَبَيَّنَتِ الإنس ءانٍ الجن *لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب‏}‏ وهي قراءات مخالفة لسواد المصحف مخالفة كثيرة وفي القصة روايات فروى أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى فيسألها لأي شيء أنت‏؟‏ فتقول‏:‏ لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخرنوبة فسألها فقالت نبت لخراب هذا المسجد فقال‏:‏ ما كان الله تعالى ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له واتخذ منها عصا وقال‏:‏ اللهم عم على الجن موتى حتى يعلم أنهم لا يعلمون الغيب كما يموهون وقال لملك الموت‏:‏ إذا أمرت بي فاعلمني فقال‏:‏ أمرت بك وقد بقي من عمرك ساعة فعدا الجن فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها وكانت الجن تجتمع حول محرابه أينما صلى فلم يكن جني ينظر إليه في صلاته إلا احترق فمر جني فلم يسمع صوته ثم رجع فلم يسمع فنظر إذا سليمان قد خر ميتاً ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة فأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقداراً فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حياً فتبين أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب سنة، ولا يخفى أن هذا من باب التخمين والاقتصار على الأقل وإلا فيجوز أن تكون الأرضة بدت بالأكل بعد موته بزمان كثير وأنها كانت تأكل أحياناً وتترك أحياناً‏.‏

وأما كون بدئها في حياته فبعيد، وكونه بالوحي إلى نبي في ذلك الزمان كما قيل فواه لأنه لو كان كذلك لم يحتاجوا إلى وضع الأرضة على العصا ليستعملوا المدة، وروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الجن باتمامه فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب، وهذا بظاهره مخالف لما روى أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أسس بيت المقدس بعد الكعبة بأربعين سنة ثم خرب وأعاده داود ومات قبل أن يتمه، وأيضاً إن موسى عليه السلام لم يدخل بيت المقدس بل مات في التيه، وجاء في الحديث الصحيح أنه عليه السلام سأل ربه عند وفاته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، وأيضاً قد روى أن سليمان قد فرغ من بناء المسجد وتعبد فيه وتجهز بعده للحج شكراً لله تعالى على ذلك‏.‏ وأجيب عن الأول بأن المراد تجديد التأسيس، وعن الثاني بأن المراد بفسطاط موسى فسطاطه المتوارث وكانوا يضربونه يتعبدون فيه تبركاً لا أنه كان يضرب هنالك في زمنه عليه السلام، ويحتاج هذا إلى نقل فإن مثله لا يقال بالرأي فإن كان فأهلاً ومرحباً، وقيل المراد به مجمع العبادة على دين موسى كما وقع في الحديث فسطاط إيمان‏.‏

وقال القرطبي في «التذكرة» المراد به فرقة منحازة عن غيرها، مجتمعة تشبيهاً بالخيمة، ولا يخفى ما فيهما وإن قيل إنهما أظهر من الأول، وعن الثالث بأن المراد بالفراغ القرب من الفراغ وما قارب الشيء له حكمه وفيه بعد‏.‏ واختير أن هذا رواية وذاك رواية والله تعالى أعلم بالصحيح مهما‏.‏ وروى أنه عليه السلام قد أمر ببناء صرح له فبنوه فدخله مختلياً ليصفو له يوم في الدهر من الكدر فدخل عليه شاب فقال‏:‏ له كيف دخلت علي بلا إذن‏؟‏ فقال‏:‏ إنما دخلت بإذن فقال‏:‏ ومن أذن لك‏؟‏ قال‏:‏ رب هذا الصرح فعلم أنه ملك الموت أتى لقبض روحه فقال‏:‏ سبحان الله هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفا فقال له‏:‏ طلبت ما لم يخلق فاستوثق من الاتكاء على عصاه فقبض روحه وخفي على الجن موته حتى سقط، وروى أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه، ولذا لم تقربه الجن وخفي أمر موته عليهم‏.‏

ونظر فيه بأن سليمان كان بعد موسى بمدة مديدة وأفريدون كان قبله لأن منوجهر من أسباط أفريدون وظهر موسى عليه في زمانه، وعلى جميع الروايات الدالة على موته عليه السلام خروره لما كسرت العصا لضعفها بأكل الأرضة منها، ونسبة الدلالة في الآية إليها نسبة إلى السبب البعيد‏.‏

ومن الغريب ما نقل عن ابن عباس أنه عليه السلام مات في متعبده على فراشه، وقد أغلق الباب على نفسه فأكلت الأرضة المنسأة أي عتبة الباب فلما خر أي الباب علم موته فإن فيه جعل ضمير ‏{‏خَرَّ‏}‏ للباب وإليه ذهب بعضهم، وفيه أنه لم يعهد تسمية العتبة منسأة، وأيضاً كان اللازم عليه خرت بتاء التأنيث ولا يجيء حذفها في مثل ذلك إلا في ضرورة الشعر، وكون التذكير على معنى العود بعيد فالظاهر عدم صحة الرواية عن الحبر والله تعالى أعلم‏.‏

وحكى البغوي عنه أن الجن شكروا الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب وهذا شيء لا أقول به ولا أعتقد صحة الرواية أيضاً، وكان عمره عليه السلام ثلاثاً وخمسين سنة وملك بعد أبيه وعمره ثلاثة عشر سنة وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه ثم مضى وانقضى وسبحان من لا ينقضي ملكه ولا يزول سلطانه، وفي الآية دليل على أن الغيب لا يختص بالأمور المستقبلة بل يشمل الأمور الواقعة التي هي غائبة عن الشخص أيضاً‏.‏